توضيح

 

شخصيًا، واجهت الكثير من الانتقاد والهجوم منذ ظهوري في مواقع التواصل الاجتماعي قبل أعوام. كنتُ وقتها أدرس في جامعة "بريتيش كولومبيا" العريقة وأهتم بمتابعة الشأن العام في وطني. قد يرى البعض أن بداياتي كانت مشوهة بسبب مقطع فيديو تم تداوله بشكل كبير بين الناس، اعتقادًا منهم بأنني أتهجم فيه على الدين. لكن ما غفلوا عنه هو أنني كنت أسخر ممن رموني في تعليقاتهم بأقذع الألفاظ والأوصاف وأقبحها فقط لكوني لم أرتدِ حجابًا، وصياغة كلامي في ذلك المقطع تثبت ما أقوله هنا.

في عام ٢٠١٣، خططن بعض نساء الوطن حملة للمطالبة بحقهن الأصيل في قيادة السيارة وشاركتُهُن إعلاميًا بهذه الحملة دعمًا لبنات جنسي وكوني من المتضررين بسبب هذا القرار الذي نراه مجحفًا بحق الكثير، وقمت في ٢٠١٤ - بهدف إحياء الحملة من جديد - بمحاولة المرور برًا من دولة الإمارات الحبيبة إلى وطني الحبيب السعودية، وانتهى بي الحال في السجن لمدة شهرين ونصف حيث صدر حكم ابتدائي بإحالتي إلى المحكمة الجزائية المتخصصة المعنية بالحكم في قضايا الإرهاب وأمن الدولة. لكن القضية طويت ولله الحمد، وتم الإفراج عني في ٢٢ ربيع الثاني ١٤٣٦هـ (الموافق ١٢ فبراير ٢٠١٥م) ورُفع حظر السفر عني بعدها بعدة أشهر وأُعيدت سيارتي إلي من قبل الجهات المعنية.

بطبيعة الحال، اتهمني الكثير بانتهاز الفرصة لكسب الشهرة دون أي اهتمام أو حرص على تحسين أحوال قريناتي، لكن هذا الحديث لا يهم. أما آخرون فقاموا بإلقاء اللوم علي وادعاء أن ما قمت به سيتسبب في تأخير صدور قرار قيادة المرأة كونه يعتبر تحديًا صريحًا للحكومة، متجاهلين أن صمتهم لمدة ٢٢ سنة لم يحدث أي تغييرٍ إيجابي كذلك. مضت تلك التجربة على خير، وما زال الكثير يتهمني بالتعدي على الأنظمة وتشويه صورة بلادي، كما أنهم وصلوا لمرحلة اتهامي بخيانة الوطن واستحقاقي لأشد العقوبات بناءً على تأويلات ودون أي أدلة واضحة، وهذا جرم يعاقب عليه القانون.

مؤخرًا، خرجت في بعض القنوات الإعلامية الأجنبية، مما تسبب في زيادة الهجوم علي، وزادت التهديدات بقتلي أو إيذائي بسبب بعض المحرضين الذين أنشؤوا أوسمة و "هاشتاقات" بشعة بهدف تأليب وتجييش المتابعين ضدي، والتي لا تعبّر بتاتًا عن مجتمع متسامح. في اللقاءات كنت أتحدث عن تجربتي وما مررت به شخصيًا، ثم أنهي كلامي بالتعبير عن تفاؤلي بمستقبل الوطن وشبابه، لكن - للأسف - يتم استبعاد هذه الفقرة الأخيرة أثناء مراحل إنتاج اللقاء في أغلب الوقت.

الذي يجهله الأغلبية هو أنني كنت على مدار الأربع سنوات الماضية أرفض الخروج في لقاءات مع قنوات إعلامية أجنبية لمعرفتي بخطورة هذا العمل على الفرد وخشيةً من أن أستخدم كأداة إعلامية في غير محلها، وبسبب رغبة بعض الصحفيين بتشويه صورة المملكة عن طريق استغلال واستقطاع بعض أقوال أبنائها وبناتها - خصوصًا المبتعثين - دون أي محاولة لإبراز كافة الحقائق عن وطننا بشكل عادل ومهني.

وافقت على الظهور الإعلامي في بعض القنوات الأجنبية بدايةً من شهر نوفمبر الماضي فقط. متابعو الشأن الصحفي يعلمون أنه منذ شهر أكتوبر من عام ٢٠١٥ قامت المملكة - بشكل غير مسبوق - بالسماح لأعداد كبيرة من الصحفيين الأجانب بالدخول إلى المملكة، والذين كانوا قد أبدوا رغبتهم بتغطية الأوضاع المحلية السعودية. حينها وافقت على المشاركة في اللقاءات بسبب ثقتي بأنهم قد استوفوا كافة الإجراءات الرسمية وأنهم ممن أستطيع التعامل معهم دون قلق، فالجهات المعنية لن تسمح بدخول من سيسيء للمملكة ولمواطنيها بشكل بشع. كانت لقاءاتي تتمحور حول تجربتي الشخصية في السنوات القليلة الماضية، بالإضافة إلى كل ما حصل لي في انتخابات المجالس البلدية في مدينة الرياض والقليل عن الشأن العام، كنت خلالها أتساءل عن الأسباب التي دفعت اللجنة المحلية للانتخابات البلدية لاستبعاد اسمي من قائمة المرشحات دون وجه حق. هذه الحادثة أثارت اهتمام الكثير من الإعلاميين والصحفيين الأجانب في حين أن إعلامنا المحلي تجاهلها تمامًا.  

قبل بضعة أيام، ظهر فيلم وثائقي يبرز السعودية من منظور متطرف أظهر بعض المقاطع المنتشرة لوقائع متطرفة على أنها جزء من الظروف المعيشية اليومية في المملكة، ناهيك عن لغة الوثائقي الدرامية المبالغ فيها والكذب الواضح في بعض الجزئيات. كُنت من ضمن المشاركين في هذا الوثائقي لسبب واحد فقط؛ هؤلاء الصحفيين كانوا من الذين وثِقٓتْ بهم الدولة واستقبلتهم بصدر رحب. الدقائق التي ظهرتُ فيها كانت عن تجربتي الشخصية فقط، لكن تم استغلال الموضوع لتركيبه ضمن وثائقي غير متزن أبدًا.

الهجوم الذي أواجهه الآن ظالم إلى حدٍ كبير، فالصحفيين كانوا متواجدين في بلادي، ووثقتُ بأن الجهات الرسمية لن تسمح بحضور أي شخص مهتم بتشويه سمعتها، خصوصًا عن طريق فيلم وثائقي غير منصف مثل Saudi Arabia Uncovered. الذي لم أكن أعلمه هو أن الصحفيين قاموا بإنتاج فلم وثائقي يبرز جانبًا واحد فقط من الأوضاع في المملكة. صحيح أن هناك تجاوزات مختلفة تحدث بين الحين والآخر لكن هذا لا يعطي لأي شخص الحق في ادعاء أنها تحدث دائمًا أو أن هذا هو المشهد الوحيد الذي يعبر عن الوضع الحالي في السعودية. كما أن تجاهل محاولات الإصلاح المتعددة من قبل المواطنين يقلل من شأن مبادراتهم الواعية ويصيبني بالألم، وإن كنت أبقى متفائلة بمستقبلٍ مشرق لأبناء بلدي. وفي نهاية الأمر، أنا مسؤولة عما قلته فقط.

يجب أن نعي جميعًا أن انتقاد بعض الظواهر في الوطن لا يعني كرهه أو تمني الشر له أو محاولة لهز توازنه بل على العكس تمامًا. أي مواطن سعودي قد يستاء من بعض الأحداث التي تحصل في المملكة، ولكنه لا يرغب لوطنه إلا كل خير ويتمنى رؤيته في مقدمة الشعوب.

جميع الذين يظنون أني أنوي الاستفادة من شهرتي للهجرة أو لأي سبب آخر مشابه مخطؤون. أولاً، رفضت الابتعاد عن دول الخليج بعد تخرجي لحرصي على تواجدي بالقرب من وطني، علمًا أنه تم تقديم فرصة عمل لي في فانكوفر بكندا. ثانيًا، أنا عاجزة عن الحصول على أي وظيفة أتمناها بسبب تخوف الكثير من الشركات من اسمي في المملكة وفي دول الخليج. الأمر لم يقتصر علي أنا فقط بل امتد لأقرب الناس لي، زوجي فهد البتيري، الذي أضاع الكثير من الفرص بسبب ارتباط اسمه بي. بغض النظر عن كل ما تم ذكره، هذا لا يعني استسلامنا ولا تغيير منهاجنا الذي نؤمن أنه السبيل في تطوير هذا الوطن دون المساس بأعراض الناس أو إيذائهم بأي شكل من الأشكال.

خلال العدة أعوام الماضية، في كل مرة قمت فيها بعملٍ ما أو تعرضت لحملة هجوم شرسة لم أجد أي داعٍ لتبرير موقفي، كل ذلك تغيّر اليوم؛ اليوم شعرت بأهمية توضيح الأمور لكثره الانتقاد الظالم الموجه لي هذه المرة دون وجه حق. كما أن الهجوم وصل إلى التشكيك بوطنيتي وهذا مرفوض تمامًا، فالوطن أكبر من أن تكون له صبغة واحدة تجمع كل أطياف المجتمع.

وأنهي حديثي بدعاء صادق لوطني ولأبناء وطني، حتى الذين اجتهدوا منهم في التعدي على عرضي وعرض أسرتي.

Loujain Alhathloul